أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
417
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
2429 - وحليل غانية تركت مجدّلا * تمكو فريصته كشدق الأعلم « 1 » يقال : مكت الفريصة ، أي : صونت بالدم . ومكت أست الدابّة ، أي : نفخت بالريح . وقال مجاهد : المكاء : صفير على لحن طائر أبيض يكون بالحجاز ، قال الشاعر : 2430 - إذا غرّد المكّاء في غير روضة * فويل لأهل الشّاء والحمرات « 2 » المكّاء : فعّال ، بناء مبالغة . قال أبو عبيدة : « يقال : « مكا يمكو مكوا ومكاء : صفر » . والمكاء : بالصم ، كالبكاء والصّراخ . قيل : ولم يشذ من أسماء الأصوات بالكسر إلّا الغناء والنّداء . و « التّصدية » فيها قولان : أحدهما : أنها من الصّدى ، وهو ما يسمع من رجع الصوت من الأمكنة الخالية الصلبة ، يقال منه : صدّى يصدّي تصدية ، والمراد بها هنا : ما يسمع من صوت التصفيق بإحدى اليدين على الأخرى ، ونفي التفسير أن المشركين كانوا إذا سمعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي ويتلو القرآن صفّقوا بأيديهم ، وصفروا بأفواههم ، ليشغلوا عنه من يسمعه ، ويخلطوا عليه قراءته ، وهذا مناسب لقوله : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ ، وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ « 3 » . وقيل : هي مأخوذة من التصدد ، وهي الضجيج والصياح والتصفيق ، فأبدلت إحدى الدالين ياء تخفيفا ، ويدل عليه قوله تعالى : إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ « 4 » في قراءة من كسر الصاد ، أي : يضجّون ويلغطون ، وهذا قول أبي عبيدة ، وقد ردّه عليه أبو جعفر الرستمي ، وقال : « إنما هو من الصدى ، فكيف يجعله من المضعف ؟ . « وقد رد أبو علي على أبي جعفر ردّه وقال : « قد ثبت أن « يَصُدُّونَ » من نحو الصوت ، فأخذه منه ، وتصدية : تفعلة » . ثم ذكر كلاما كثيرا . والثاني : أنها من الصد ، وهو المنع ، والأصل : تصدد ، بدالين أيضا ، فأبدلت ثانيتهما ياء ، ويؤيد هذا قراءة من قرأ « يصدّون » بالضم ، أي : يمنعون . وقرأ العامة « صَلاتُهُمْ » رفعا ، « مُكاءً » نصبا . وأبان بن تغلب والأعمش وعاصم بخلاف عنهما « وما كان صلاتهم » نصبا ، « مكاء » رفعا . وخطأ الفارسي هذه القراءة ، وقال : « لا يجوز أن تخبر عن النكرة بالمعروفة إلّا في ضرورة » ، كقول حسان : 2431 - كأنّ سبيئة من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء « 5 » وخرجها أبو الفتح على أن « المكاء والتّصدية » اسما جنس ، يعني أنهما مصدران ، قال : « واسم الجنس تعريفه وتنكيره متقاربان » . فلم يبال بأيهما جعل اسما ، والآخر خبرا ، وهذا يقرب من المعرف بأل الجنسية ، حيث وصف بالجملة ، كما يوصف به النكرة ، كقوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ « 6 » ، وقول الشاعر : 2432 - ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني * فمضيت ثمّت قلت : لا يعنيني « 7 » وقال بعضهم : « وقد قرأ أبو عمرو إلّا مكا » بالقصر والتنوين ، وهذا كما قالوا : « بكاء ، وبكى » بالمد والقصر ، وقال الشاعر - فجمع بين اللغتين - :
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 24 ) ، الطبري ( 13 / 521 ) ، القرطبي ( 7 / 400 ) ، البحر المحيط ( 4 / 474 ) ، اللسان « حلل » . ( 2 ) انظر البيت في الصاحبي ( 416 ) ، البحر المحيط ( 4 / 400 ) ، التهذيب « زقب » ( 8 / 439 ) ، اللسان « مكا » . ( 3 ) سورة فصلت ، آية ( 26 ) . ( 4 ) سورة الزخرف ، آية ( 57 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) سورة يس ، آية ( 37 ) . ( 7 ) تقدم .